يُعدّ رجل تولوند إحدى أشهر مومياوات المستنقعات في العالم، ويعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد في الدنمارك. تكشف الحبال حول عنقه، وآخر وجبة تناولها، وملامح وجهه الهادئة عن أسئلة لا تزال مطروحة حول ما إذا كان ضحية طقس ديني أم مجرماً أُعدم شنقاً.

يُعتبر رجل تولوند من أشهر “مومياوات المستنقعات” في العالم؛ فهو رجل من العصر الحديدي حُفظ جسده بتفاصيل مدهشة داخل مستنقع من الخث في الدنمارك. يعود زمن وفاته إلى القرن الرابع قبل الميلاد تقريباً، ومع ذلك لا تزال ملامح وجهه وجلده وحتى زغب ذقنه واضحة كأنّه توفي قبل فترة قصيرة فقط. أما الحبل الجلدي الملفوف حول عنقه وآثار الشنق على جسده، فتبقيان أسئلة كثيرة مفتوحة حول كيفية موته وسبب قتله.
اكتشاف رجل تولوند
اكتُشف رجل تولوند عام 1950 في مستنقع من الخث بالقرب من قرية تولوند في شبه جزيرة يوتلاند بالدنمارك. كان أخوان يعملان في قطع الخث عندما عثرا على الجثة، فظنّا في البداية أنها تعود لشخص حديث الوفاة:
- ملامح الوجه كانت محفوظة بشكل حيّ للغاية،
- الذقن منحنية بلطف نحو الصدر،
- العينان مغلقتان،
- الشفتان متقاربتان في تعبير يشبه النوم الهادئ.
استدُعيَت الشرطة ثم لحق بها علماء الآثار. وبعد الفحوصات، تبيّن أن الجثة ليست حديثة، بل تعود لرجل توفي قبل نحو 2400 عام.
رجل من العصر الحديدي
أظهرت تحاليل الكربون المشع (C-14) أن رجل تولوند يعود إلى العصر الحديدي المبكر، أي تقريباً ما بين عامي 405 و380 قبل الميلاد. كان هذا زمن تحوّلات اجتماعية وتقنية مهمة في شمال أوروبا.
ونظراً لحالة الحفظ الاستثنائية لجسده، يمنحنا رجل تولوند فرصة نادرة للتعرّف على:
- الحياة اليومية في العصر الحديدي،
- المعتقدات والطقوس الدينية،
- أساليب العقاب وتنفيذ الأحكام.
في الدفن العادي، تتحلل الأنسجة الرخوة والأعضاء الداخلية بسرعة. أما في المستنقعات الخثية فيمكن لهذه الأنسجة أن تبقى آلاف السنين.
صفاته الجسدية وملابسه
تُشير الدراسات إلى أن رجل تولوند كان في سنّ تتراوح بين 30 و40 عاماً لحظة وفاته، وأن طوله كان حوالي 1.60 متر.
عند العثور عليه، كان يرتدي:
- قبعة جلدية مدببة مربوطة تحت الذقن،
- حزاماً جلدياً حول الخصر،
- حبلاً جلديّاً مضفوراً ملتفّاً بإحكام حول العنق.
أما باقي الجسد فكان شبه عارٍ عند اكتشافه. وما زال الباحثون يختلفون حول ما إذا كانت ملابسه قد أُزيلت عمداً في إطار طقس معيّن أم أنها ببساطة تحلّلت أسرع من الأجزاء الباقية.
سبب الوفاة: إعدام أم تضحية طقسية؟
تُظهر آثار الحبل حول العنق أن رجل تولوند قُتل شنقاً بلا شك. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا؟
هناك تفسيرَان رئيسيان بين الباحثين:
- ضحية تضحية طقسية
- في بعض مجتمعات العصر الحديدي، ربما استُخدمت التضحيات البشرية لتكريم الآلهة أو استرضاء القوى فوق الطبيعية.
- قد تكون المستنقعات قد اعتُبرت أماكن “حدّية” تفصل بين عالم البشر وعالم الآلهة.
- تعبير وجهه الهادئ والوضعية الدقيقة لجسده يدعمان فكرة أنه كان جزءاً من طقس ديني أكثر من كونه مجرماً عادياً.
- إعدام مجرم
- كان الشنق وسيلة معروفة لتنفيذ أحكام الإعدام.
- من الممكن أنه عوقب على جريمة ما، وأن رميه في المستنقع كان وسيلة عملية ورمزية في الوقت نفسه للتخلص من الجثة.
وبغياب النصوص المكتوبة ووجود مجال للتأويل في الأدلة المتاحة، لا يوجد جواب حاسم حتى الآن، ويظل الجدل مفتوحاً.
آخر وجبة وما تكشفه من معلومات
من الجوانب المثيرة في حالة رجل تولوند أن أعضاءه الداخلية، بما فيها المعدة والأمعاء، حُفظت بما يكفي لإجراء تحاليل حديثة عليها.
أظهرت فحوص محتويات أمعائه أنه تناول قبل وفاته بفترة قصيرة:
- عصيدة من الشعير وأنواع أخرى من الحبوب،
- بذور الكتّان،
- بذور نباتات برّية مختلفة،
- مزيجاً بسيطاً يعبّر عن نظام غذائي ريفي متواضع.
وتشير أنواع البذور وحالتها إلى أنه ربما مات في أواخر الشتاء أو أوائل الربيع، حين لا تزال الحبوب المخزّنة تُستهلك وتبدأ النباتات الجديدة بالظهور.
ما هي مومياوات المستنقعات؟
رجل تولوند ليس حالة فريدة؛ فقد عُثر على العديد من الجثث البشرية في مستنقعات الخث في شمال أوروبا، ويُطلق عليها بشكل عام اسم مومياوات المستنقعات.
تساعد الظروف الخاصة لهذه المستنقعات على حفظ الأجساد:
- حموضة عالية،
- نقص في الأكسجين (بيئة لاهوائية)،
- درجات حرارة منخفضة.
تجتمع هذه العوامل لتبطئ عملية التحلل وتحافظ على الجلد والشعر وحتى الأعضاء الداخلية آلاف السنين.
ومن بين أشهر مومياوات المستنقعات الأخرى:
- رجل غراوباله – رجل من العصر الحديدي عُثر عليه وقد قُطع عنقه،
- امرأة إيلينغ – امرأة اكتُشفت بالقرب من مكان العثور على رجل تولوند، ويبدو أنها قُتلت أيضاً شنقاً.
تقدّم هذه الاكتشافات لعلماء الآثار معلومات استثنائية عن الملابس، وقصّات الشعر، والحالة الصحية، والعنف في مجتمعات العصر الحديدي.
أين يمكن رؤية رجل تولوند اليوم؟
يُعرض رجل تولوند اليوم في متحف سيلكيبورغ في الدنمارك. يمكن للزائرين رؤية رأسه داخل صندوق زجاجي، محفوظاً بدرجة تجعل الكثيرين يصفون التجربة بأنها مؤثرة وموحشة في آن واحد.
- الرأس والوجه من الأنسجة الأصلية القديمة،
- أما باقي الجسد فهو إعادة بناء تعتمد على المعطيات الأثرية.
يهدف أسلوب العرض هذا إلى الجمع بين الدقة العلمية ومنح الزائر فرصة “للنظر مباشرة” إلى إنسان عاش قبل أكثر من ألفي عام.
رجل تولوند في الثقافة الحديثة
ألهم رجل تولوند:
- أفلاماً وثائقية ومعارض،
- روايات وقصائد،
- كتباً ومحتويات تلفزيونية مبسّطة للعلوم.
إن تعبيره الهادئ وواقعية ملامحه يجعلان منه رمزاً قوياً لمدى قرب الماضي البعيد من حياتنا الحاضرة، رغم كل القرون التي تفصلنا عنه. فالوقوف أمام رجل تولوند يشبه الوقوف أمام قصة إنسان واحد من العصر الحديدي كُتِب لها أن تنجو من زحف الزمن.